أخي الكريم، هناك أشياء يجب أن نعترف بها وأن نأخذها على محمل الجد، ولا نجعل مكاناً للعواطف أمامها.
بالتأكيد، الحق يجب أن يقال، ولا يخاف صاحبه في الله لومة لائم، لكن عن ماذا تتحدث؟
أنت تقول أنه لا يوجد تفضيل بين الأنثى والذكر في الإسلام، وأن الجنسين سواسية عند الله، والأفضلية هي بالتقوى.
نعم هذا صحيح، والله أخبرنا بهذا في كتابه، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ أين المشكلة في ذلك؟
المشكلة أنك بهذا الكلام تناقض القرآن الذي فضّل الذكر على الأنثى، ولديّ أدلتي على ذلك!
قد أكون مخطئاً، فأنا إنسان والإنسان غير معصوم من الخطأ والنسيان، لكن قل لي ما هي أدلتك، قد تكون فهمتها خطأ، لأن الله لا يُفضّل أحداً على أحد، ولا يوجد تناقض في كتابه!!
حسناً، هناك آية تقول: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾، فهنا يجب أن نعترف أننا معشر الرجال لنا القِوامة على النساء بإعتراف الآية.
لنقرأ الآية كاملة حتى يتبيّن لنا المعنى.
(ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ)
الرجال قوّامون على النساء، لم يقل الله الذكور قوّامون على الإناث، الرجل تأتي من القوة والكفاءة، وما يليه من القوة والكفاءة هن النساء.
فالرجال قوّامون على النساء، أي أن الأكفئ قوّام على من هو أضعف منه، والتأكيد على ذلك قوله تعالى بعدها (بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ) ولم يقل بعضهم على بعضهن.
ومع ذلك حتى لو كان الأقل كفاءة، فلطالما هو من ينفق فله القِوامة، لذا قال بما أنفقوا من أموالهم، أي أن المرأة التي تنفق، لها القِوامة، بغض النظر إذا كانت الأكفئ أم لا، فلطالما أنها تنفق فلها القوامة.
فالأمر أمر كفاءة وأمر ملكية المال.
فالصالحات: هنا لا تعني المقيمات الصلاة ولا الصائمات في رمضان، إنما تعني الصالحات للقِوامة، لأن الآية تتكلم عن موضوع القوامة فقط.
حافظات للغيب: أي أن التي لها القوامة عليها أن تحترم زوجها وتحترم خصوصيات زوجها، لأن الذي له القِوامة يمكن أن يتكبّر ويتجبّر.
ونفس الشيء إذا كنت تعمل في شركة تملكها أنثى، فهي صاحبة القِوامة عليك وتأمرك فيما يتعلق في أمور العمل، وتأمر جميع الموظفين في الشركة، وعليك تنفيذ كل ما تمليه عليك، لأنها هي من سيعطيك راتبك، فإذا غلبت عليك ذكوريتك ورأيت أن هذا حطّ من كرامتك أن تكون إمرأة تتأمّر عليك، كما هو الحال عند البعض في مجتمعنا الشرقي، فبكل بساطة ستطردك وتأتي بغيرك!
امممم، هناك آية أخرى وهي: ﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ﴾، فهنا ميّز الله الذكر على الأنثى.
الله في هذه الآية ينقل لنا قول أم مريم العذراء، عندما قالت لربها (وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ) أي أن هذه الكلمات هي كلمات أم مريم عندما وهبت ما في بطنها من حمل لله.
لنقرأ الآية كاملة لكي تتضح الصورة.
(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ)
أي عندما وضعت الحمل، ورأت أنها أنثى، بدأت تناجي ربها وتقول (رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ) وطبعا ربنا يعلم كل شيء، ويعلم ما في الأرحام، ويعلم أن ما في بطنها أنثى، ثم قالت (وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ) أي يا رب ليست مكانة الأنثى بمكانة الذكر، وهي بذلك تنتقد قومها الذين في ذلك الزمان كانوا يُفضّلون الذكر على الأنثى، ويؤكد ذلك قوله تعالى في سورة النحل (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) فالناس في العصور القديمة كانوا يُفضّلون الذكر على الأنثى، بل ويتبرؤون من الأنثى وكأنها تحُط من مكانته وكرامته، فالآية إذاً ليست تفضيل الذكر على الأنثى كما يعتقد الكثير، بل على العكس، الآية تذمّ من يُفضّل الذكر على الأنثى في تلك العادات والتقاليد السيئة في ذلك الزمان، والتي لا يزال بقاياها للأسف في مجتمعاتنا العربية، فتجد بعض الرجال يرغبون في إنجاب الذكور دون الإناث، وبحسب مفهومهم أن الذكر سيحمل إسمه!! على أساس أن الأنثى ستحمل إسم جنكيز خان!!
اقتنعت في هذا الكلام، لكن هناك آية واضحة ولا تحتاج تأويلاً ولا تفسيراً، تُبيّن لنا أن الرجل له درجة عند الله، أعلى من الأنثى، وهي قوله تعالى (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) فالآية واضحة وضوح الشمس أن لنا درجة عند الله أعلى من درجة الأنثى.
يا أخي لماذا تحاولون تقزيم وتهميش الأنثى! لماذا تسعون جاهدين لإثبات أن مكانتكم عند الله أفضل من مكانة الأنثى! لماذا تطغى عليكم ذكوريتكم عندما تسمعون بأنكم والأنثى سواسية ولا فرق بين الذكر والأنثى إلّا بالتقوى، وتحاولون طمس هذه الحقيقة!! ولمصلحة من!
هذا ما وجدنا عليه آبائنا!!
حسناً، أجبني إذاً عن معنى الآية؟
معنى هذه الآية في التفسير التراثي، هو فعلاً تفضيل الذكر على الأنثى، فالتراث دائماً يحاول تقزيم وتهميش دورعا في المجتمع.
أما التفسير الذي أراده الله، فهو مغاير تماماً للتفسير التراثي الذكوري.
الآية تتحدث عن الطلاق، وكالعادة لنقرأ الآية كاملة دون إجتزاء، حتى تتوضح الصورة.
قال تعالى (وَٱلْمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَٰحًا ۚ 👈وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ 👉ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
فالآية إذاً تتحدث عن الطلاق، وفي نفس الآية، يقول الله (وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ) أي لا تفضيل لأي جنس على حساب الجنس الآخر، فكيف يعطي الله للرجل أفضلية ودرجة أعلى من الأنثى، وهو بنفس الآية يقول (وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾!!
وقوله (وللرجال عليهن درجة) أي أن الرجل معفي من بعض الالتزامات التي لم تُعفَ منها الأنثى، كالحمل والرضاع!! فالرجل لا يحمل ولا يُرضّع، وهي أيضاً عليها أن تتنازل قليلاً للإصلاح بينها وبين زوجها،
وأيضاً معناها أن الرجل عليه أن يبادر ليُصلح الحال بينه وبين زوجته، فهو أحق في ردها،.
فالدرجة هنا ليست درجة فضيلة ولا تمييز.
إذا كان الأمر كذلك وأن الأنثى متساوية مع الرجل، فلماذا شهادة الأنثى تعتبر نصف شهادة الرجل؟
من قال لك هذا؟!
الآية واضحة فيما يخص الشهادة.
(وَٱسْتَشْهِدُوا۟ 👈شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ👉 ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا 👈رَجُلَيْنِ 👉فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ)
في البداية رجلين وليس رجل واحد، فهل شهادة الرجل الواحد ناقصة!!
فإن لم نجد رجلين، فنأتي برجل وإمرأتين!! أي بكلتا الحالتين يجب أن يكون شخصان في الشهادة، فلا يجوز شهادة شخص لوحده، (سواءً ذكر أو أنثى) بل يحتاج إلى شخص آخر معه.
وهذه الشهادة هي خاصة بمسألة معينة وهي الديّن والتعاملات المالية، وحالة ظرفية وزمانية.
ففي القرآن هناك شهادات لم يحدد الله جنس الشاهد، مثل الشهداء الأربعة في الفاحشة وقذف المحصنات والوصية، فهنا لم يحدد الله جنس الشاهد سواءً ذكر أم أنثى!!
قال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ 👈ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ👉 أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ﴾
وفي آية أخرى ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ 👈بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ👉 فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَٰنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَٰدَةً أَبَدًا ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ﴾
فنلاحظ في هذه الآيات أن الله لم يحدد جنس الشاهد إذا كان ذكر أم أنثى، فلو كانت شهادة الأنثى بنصف شهادة الرجل، لوضّح الله لنا ذلك في باقي الآيات والتي تعتبر أهم من الشهادة في الأمور المالية، والتي تتوقف شهادتها على مصير إنسان.
هناك حالة تعلو فيها شهادة الأنثى على شهادة الرجل.
قال تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾
ونرجع إلى الآيات التي تتطلب شهادة الاثنين
(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًا لَّمِنَ ٱلْاثِمِينَ﴾
هنا مطلوب شهادة اثنين سمعوا وصية من أحد الأشخاص قبل أن يموت، فهل إذا كان من حضر موت أحد الأشخاص هو والدته وأخته أو زوجته وابنته لا تقبل شهادتهم إذا كان موثوقاً في صدقهم!! من يكون عادة حاضر موت الأشخاص؟ أليس الأقرب إليه!! هل لو كانوا كلهم من النساء لن تقبل شهادتهم!!
أعتقد أن هذا ما لا يتفق مع كتاب الله.
فخلاصة الكلام، لا فضل لأي جنس على الجنس الآخر إلّا بالتقوى، كما قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)