لم يعد الحديث عن "الحجاب" مجرد نقاش في اختيار اللباس، بل تحول عبر القرون إلى أداة للابتزاز المعنوي والامتثال الاجتماعي، وميزان وهمي تُقاس به أخلاق النساء وعفتهن.
لقد تم توظيف قطعة القماش هذه لتكون "ترمومتراً" للسيطرة الاجتماعية والوصاية، فصارت "عادة بيئية" لبسها الناس قديماً اتقاءً للشمس والرمال، فريضةً دينيةً يُساق إليها الناس بالترهيب، فتحولت من "قطعة قماش" مرتبطة ببيئة معينة، إلى "تذكرة دخول للجنة"، في مشهد يختزل الدين كله في بضع خصلات من الشعر.
في هذا المقال، سنعيد قراءة النص القرآني بعيداً عن صخب التراث، لنكتشف كيف أن "الحجاب" هو صناعة بشرية وتراكمات عرفية، لا تدعمها لغة العرب ولا منطق التنزيل، وكيف أصبح "المسكوت عنه" (الرأس) فريضة، و"المنصوص عليه" (الستر العام) مجرد تفصيل.
1. الخمار.
يستند المحتجون بفرضية الحجاب على قوله تعالى: ﴿وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيوبِهِنَّ﴾ [النور: 31]. والخطأ المنهجي هنا يبدأ من الخلط بين "الأداة" و"الغاية".
في اللسان العربي، "الخمار" هو كل ما يُغطي (من خَمَرَ أي غطى).
تاريخياً، كان الرجال والنساء في شبه الجزيرة العربية يرتدون أغطية الرأس كعادة بيئية وظيفية للوقاية من الشمس والغبار وطفيليات الرأس، وحتى اليوم لا تزال هذه العادات موجودة في بعض المناطق القبائلية.
القرآن لم يقل "البسن الخمار"، بل استخدم "الأداة" التي يلبسنها أصلاً ليوجههن لستر منطقة أخرى كانت مكشوفة في ذلك الوقت وهي منطقة "الجيب" (فتحة الصدر). تماماً كما تقول لشخص يرتدي قبعة: أنزل قبعتك على عينيك لتقيك الشمس، فأنت هنا لم تُشرّع "لبس القبعة"، بل وجهت لاستخدام المتاح (القبعة) لتحقيق غاية (حماية العين).
2. التناقض الجاهلي.
هذه هي النقطة التي تكسر المنطق التقليدي؛ فالثابت تاريخياً أن نساء الجاهلية كنَّ يرتدين "الخمار" ويُسدلن أطرافه خلف ظهورهن، بينما تظل فتحة الصدر (الجيب) مكشوفة.
هنا نسأل العقل: إذا كان غطاء الرأس في ذلك العصر هو "لباس حشمة"، فكيف تقبل المرأة أن تغطي شعرها وتترك صدرها عارياً؟!
هذا يثبت أن "الخمار" لم يكن له أي دلالة دينية أو أخلاقية، بل كان مجرد قطعة ثياب وظيفية لحماية الشعر من بيئة الصحراء.
التدخل القرآني جاء ليصحح خللاً في الحشمة الواقعية، فقال لهن: بدلاً من رمي الخمار للخلف، اضربن به على صدوركن (الجيب) لسترها. فالأمر الإلهي منصبٌّ على "الصدر"، أما "الرأس" فبقي ذكره ضمن العادات لا التشريعات، فالعبرة هنا بستر "الجيب" لا بقدسية "الخمار".
أما من يحتج بأن الرأس كان مغطى "ضمنيًّا" وبالتالي لا داعي لذكره في الآية.
فهنا نسأل: هل كل ما هو “ضمني” يُلزم شرعًا؟
القاعدة العقلية البسيطة: التشريع لا يُبنى على الافتراضات، بل على النص المحدد. لو فتحنا باب “الضمني”، فسنُدخل في النية والعرف والفهم القبلي والثقافة السائدة، وهذا ينسف فكرة الوحي كنص هادٍ مستقل، ويعيدنا لسلطة المجتمع لا النص.
ما الضابط الذي يجعل هذا “الضمني” ملزمًا، بينما نرفض آلاف الضمنيات الأخرى؟
لا يوجد ضابط إلّا الموروث.
وهذا يدل على أن تغطية الرأس كان عرفًا في ذلك الوقت وليس تشريعًا.
3. الصمت التشريعي.
القرآن الكريم دقيق في ألفاظه. عندما أراد الله ذكر الغسل (الوضوء)، قال: "وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ" [المائدة 6] وعندما أراد ذكر الحج قال: "وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ" [البقرة 196] فلماذا عندما جاء الحديث عن الستر والحشمة، غاب ذكر "الرأس" و"الشعر" وظهر ذكر "الجيب" (الصدر)؟
لو كان شعر المرأة عورة، لقال النص بوضوح: "وليضربن بخمورهن على رؤوسهن".
إن السكوت عن ذكر الرأس في آيات الزينة والستر هو "سكوت مقصود"، لأن الله لا يشرع العادات، بل يشرع القيم.
4. آية الجلابيب.
في سورة الأحزاب، نجد قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ المُؤمِنينَ يُدنينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابيبِهِنَّ ذلِكَ أَدنى أَن يُعرَفنَ فَلا يُؤذَينَ﴾ [الأحزاب 59]
لطالما فسر الفقهاء هذه الآية بأنها تمييز بين "الحرة" و"الأمة" (الجارية)، وكأن الله يطلب حماية الحرة ويترك الأمة للمتحرشين! وهذا فهم قاصر يسيء للعدل الإلهي.
الحقيقة المنطقية: شمولية "نساء المؤمنين"، الآية خاطبت "أزواجك وبناتك ونساء المؤمنين"، والمرأة المؤمنة (سواء كانت حرة أو أمة في القانون آنذاك) هي من نساء المؤمنين.
تعريف الهوية البصرية: "أن يُعرفن" لا تعني "يُعرفن كطبقة أرستقراطية"، بل "يُعرفن كمنتميات للمنهج الأخلاقي الجديد".
في المدينة، كان السفهاء يتحرشون بالنساء اللواتي يظهرن بمظهر يوحي بالابتذال أو التبذل (ربما صورة كانت تلتصق بالبغايا)، فالقرآن طلب من المؤمنات إعلان "هويتهن البصرية" عبر الجلباب (الثوب الواسع) ليقطع الطريق على عذر المتحرشين الذين كانوا يقولون "ظنناها من بائعات الهوى".
الجلباب هنا كان "وسيلة دفاعية" لإثبات الجدية والعفة في بيئة مضطربة، وليس تشريعاً أبدياً لجسد المرأة.
وهنا نسأل سؤال: هل أباح القرآن التحرش بالإماء؟
يتوقف الكثيرون عند الآية 59، لكنهم يتجاهلون الآية 60 التي تليها مباشرة، والتي تتوعد المتحرشين (المنافقين والذين في قلوبهم مرض) باللعنة والطرد من المدينة ﴿لَئِن لَم يَنتَهِ المُنافِقونَ وَالَّذينَ في قُلوبِهِم مَرَضٌ وَالمُرجِفونَ فِي المَدينَةِ لَنُغرِيَنَّكَ بِهِم ثُمَّ لا يُجاوِرونَكَ فيها إِلّا قَليلًا﴾ [الأحزاب 60].
الله لم يقل "من آذى حرة سنطرده ومن آذى أَمة سنتركه"، بل جعل العقاب العام رادعاً لحماية كل النساء.
بناءً عليه، فإن "الجلباب" لم يكن فريضة تعبدية، بل كان "علامة تعريفية" (ID بصري) لغرض الأمان، واليوم، في ظل وجود قوانين تحمي الجميع، سقطت العلة (التعريف بالهوية) وبقيت القيمة (الحشمة والستر).
5. خديعة "الزينة الظاهرة".
القرآن ذكر "الرأس" في الغُسل والحج كما أسلفت، فلماذا غاب في آيات الستر؟
عندما يقول الله ﴿وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ [النور: 31] فإنه ترك "ما ظهر" خاضعاً للعرف والبيئة.
في خلق الإنسان، الوجه والرأس واليدان هي أجزاء ظاهرة بطبيعتها للتعامل والتعارف. لم يصنف القرآن يوماً "شعر الإنسان" كـ "سوأة" (عورة) يجب إخفاؤها وسترها، بل ترك الأمر للأعراف والذوق العام بحسب كل مجتمع.
الواقع المقلوب اليوم هو أننا نرى امرأة تستر كل خصلة من شعرها بـ "حجاب"، ولكنها ترتدي ثياباً تجسد مفاتنها، ومع ذلك تُسمى "محجبة"! بينما المرأة التي تستر جسدها وصدرها بقميص محتشم وتكشف شعرها، تُتهم في دينها. هذا الانزياح من "الجوهر" إلى "القشرة" هو نتاج الفكر التراثي الذي قدّس "الوسيلة" (الخمار) وأضاع "الغاية" (الستر العام) وليس نتاج النص القرآني.
لماذا يصر الكثيرون على قداسة الحجاب؟
لأنه تحول إلى "راية" أيديولوجية.
لقد تم اختزال "عفة" المرأة في قطعة قماش، مما مكّن المجتمعات والتيارات من ممارسة وصاية كاملة على جسد المرأة.
الابتزاز يبدأ بإيهام المرأة أن الله سيعلقها من شعرها إذا كشفته، وهو ترهيب لا أصل له في الكتاب.
الحقيقة أن "الستر" قيمة أخلاقية، ووسائل الستر تتطور بتطور الأزمان.
القميص العصري والياقة المرتفعة اليوم تحقق أمر "الضرب على الجيوب" الوارد في القرآن أكثر بكثير من "خمار" الجاهلية الذي كان يُلبس مع صدر مكشوف.
الدين جوهر، والتقوى ﴿وَلِباسُ التَّقوى ذلِكَ خَيرٌ ذلِكَ﴾ [الأعراف 26].
الحجاب بصورته الحالية هو "فلكلور بيئي"، عادة متوارثة أُلبس لباس القداسة لتتحول إلى أداة سلطوية.
القرآن دعا للحشمة وحماية الجسد من الامتهان، ولم يجعل من "الرأس" معركة إيمانية.
ما لا يصل للناس بوضوح هو الفرق بين الأداة (الخمار والجلباب) والمكان المستهدف (الجيب والجسد).
المرأة التي تستر صدرها بقميص محكم اليوم هي التي تطبق جوهر "الضرب على الجيوب"، حتى لو لم تضع قطعة قماش على رأسها.
الله خاطب العقل، والعقل يقول: "الستر في القلوب والجوهر، والتمييز يكون بالأخلاق والقانون، أما الرؤوس فلها رب يحاسب على ما في داخلها، لا على ما فوقها".
لقد آن الأوان لنتصالح مع النص الإلهي بعيداً عن أوهام التفسير ونتحرر من "الابتزاز الفقهي"، ونعود للنص القرآني الذي جاء ليحرر الإنسان لا ليربط عفته بخرقة قماش كانت يوماً مجرد "درع أمني" في شوارع المدينة القديمة.
وأن ندرك أن الله يحاسب على ما في القلوب والعقول، لا على ما يغطي الرؤوس.