من أكثر المفاهيم التي أُسيء استخدامها عبر التاريخ مفهوم "الحقيقة المطلقة. "
كثيرون يتحدثون عنها بثقة، يدافعون عنها بشراسة، ويُقصون غيرهم باسمها، مع أن السؤال الجوهري غالبًا لا يُطرح:
ما الحقيقة أصلًا؟ وهل يمكن لإنسان، أو جماعة، أو مذهب، أن يحتكرها؟
الحقيقة – في وعي الإنسان وتجربته – ليست كتلة صماء واحدة، بل هي نتاج فهم، وإدراك، وتجربة، وسياق ثقافي ونفسي ومعرفي.
ما أراه أنا حقيقة وأبني عليه قناعاتي، قد يراه غيري باطلًا أو وهمًا أو هرطقة، لا عن خبث بالضرورة، بل لاختلاف زاوية النظر، والأدوات المعرفية، والتجربة الحياتية.
والعكس صحيح: ما يراه غيري حقيقة نهائية ويستميت في الدفاع عنها، قد أراه أنا خرافة أو تفسيرًا قاصرًا أو بناءً ذهنيًا هشًا.
هذا الاختلاف ليس استثناءً، بل هو القاعدة في التجربة الإنسانية.
المشكلة لا تبدأ من اختلاف الحقائق، بل من ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.
فالشخص الذي يزعم أنه يمتلك الحقيقة كاملة، غير قابلة للنقاش أو المراجعة، يكشف – دون أن يشعر – عن عدم فهمه لمعنى الحقيقة ذاتها. لأن الحقيقة، في جوهرها، لا تخاف من السؤال، ولا ترتعد أمام النقد، ولا تحتاج إلى قمع الآخرين لتثبت نفسها. ما يحتاج إلى العنف الفكري والدوغمائية ليس حقيقة، بل قناعة خائفة من الانهيار.
ادعاء الحقيقة المطلقة هو في الغالب تعبير عن يقين مغلق، لا عن معرفة مفتوحة. هو استبدال البحث بالتلقين، والسؤال بالإجابة الجاهزة، والعقل بالطاعة. ولهذا كان أكثر من رفعوا شعار “الحقيقة المطلقة” عبر التاريخ، هم أكثر من مارسوا الإقصاء، والتكفير، والتخوين، وربما القتل، باسم هذه الحقيقة.
حتى في القضايا الوجودية الكبرى، لا نجد اتفاقًا إنسانيًا شاملًا.
المؤمن يؤمن بحقيقة وجود الله، أو إله لهذا الكون، وفق تصوره ومعتقده وفهمه للنص أو للطبيعة.
الملحد، في المقابل، لا يؤمن بهذه الحقيقة، ويرى الوجود من منظور مادي أو فلسفي مختلف. كل طرف يتعامل مع ما يراه “حقيقة”، ويَبني عليها معنى حياته وأخلاقه وخياراته.
فأين الحقيقة المطلقة هنا؟
إنها غائبة عن الإجماع، حاضرة فقط في ضمير كل فرد وفق قناعته.
السؤال هنا ليس: من يملك الحقيقة المطلقة؟
بل: هل يملك الإنسان أصلًا القدرة على امتلاكها؟
لكن، وسط هذا الاختلاف الواسع، توجد حقيقة واحدة فقط لم يختلف عليها البشر، مهما تنوعت أديانهم، ومللهم، ومذاهبهم، وفلسفاتهم، وإنكارهم وإيمانهم: الموت
الجميع يؤمن بالموت.
المؤمن والملحد، المتدين واللاديني، الفيلسوف والبسيط، القوي والضعيف.
قد يختلفون في تفسير ما بعده، لكنهم لا يختلفون في وقوعه.
الموت هو الحقيقة المطلقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى برهان فكري ولا إلى نص مقدس ولا إلى جدل فلسفي. هو الحقيقة التي تفرض نفسها على الجميع دون استثناء، وتسقط معها كل أوهام الامتلاك واليقين المتعالي.
لعل الوعي بهذه الحقيقة، لا يدعونا إلى اليأس، بل إلى التواضع المعرفي. إلى الاعتراف بأننا نفهم العالم بقدر ما تسمح به عقولنا وتجاربنا، لا أكثر. وأن الاختلاف ليس تهديدًا، بل نتيجة طبيعية لتعدد الزوايا البشرية.
الحقيقة ليست ما نصرخ به أعلى، ولا ما نفرضه بالقوة، بل ما يبقى قابلًا للفهم، والمراجعة، والبحث، دون خوف.
وما عدا ذلك… غالبًا ليس حقيقة، بل وهم الحقيقة.
إن أخطر الأوهام ليس الجهل، بل الاعتقاد بأننا وصلنا إلى نهاية المعرفة.
وهذا بالضبط هو وهم الحقيقة المطلقة.